سيد محمد طنطاوي

358

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( وأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * عطف على قوله * ( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) * فهو داخل تحت حكم باء السببية ، وسببيته للعذاب من حيث إن نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إثابة المحسن ومعاقبة المسئ . . . وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم . . . وقيل إن صيغة « ظلام » للنسب كعطار أي : لا ينسب إليه الظلم أصلا » « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل اليهود فقال : * ( الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّه عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُه النَّارُ ) * . وقوله * ( الَّذِينَ قالُوا إِنَّ ) * . . إلخ . في محل نصب بتقدير : أعنى . أو في محل رفع بتقدير : هم الذين قالوا . ويجوز أن يكون في محل جر على البدلية من قوله * ( الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّه فَقِيرٌ ) * . والمراد بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ، وفنحاص بن عازوراء ، وحي بن أخطب . . . وغيرهم ، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقالوا له هذا القول وهو : * ( إِنَّ اللَّه عَهِدَ إِلَيْنا ) * . . . إلخ . والقربان هو ما يتقرب به إلى اللَّه من نعم أو غير ذلك من القربات . والمعنى : أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا : إن اللَّه فقير ونحن أغنياء ، والذين قالوا إن اللَّه أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة إلينا من قبل اللَّه - تعالى - حتى يأتينا بقربان يتقرب به إلى اللَّه ، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان ، فإذا فعل ذلك كان صادقا في رسالته . ومقصدهم من وراء هذا القول الذي حكاه القرآن عنهم ، أن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظين على عهود اللَّه . وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حسدا له ، وإنما تركوا الإيمان به ، لأنه لم يأت بالمعجزات التي أتى بها الأنبياء السابقون ، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس نبيا صادقا - في زعمهم - . ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان ، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول ، إذ أن آيات اللَّه في إثبات رسالات رسله متعددة النواحي ، مختلفة المناهج ، وكون هذا الإتيان بالقربان الذي تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد أمر اللَّه - تعالى - رسوله محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرد

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 143 .